فصل: تفسير الآيات (99- 101):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (90- 91):

{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)}
(ما) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئاً {اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ} والمخصوص بالذم {أَن يَكْفُرُواْ} واشتروا بمعنى باعوا {بَغْياً} حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علة اشتروا {أَن يُنزِّلَ} لأن ينزل أو على أن ينزل، أي حسدوه على أن ينزّل الله {مِن فَضْلِهِ} الذي هو الوحي {على مَن يَشَاء} وتقتضي حكمته وإرساله {فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبيّ الحق وبغوا عليه. وقيل: كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل: بعد قولهم عزيرُ ابن الله، وقولهم: (يد الله مغلولة)، وغير ذلك من أنواع كفرهم {بِمَا أنزَلَ الله} مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} مقيد بالتوراة {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ} أي قالوا: ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة {وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ} منها غير مخالف له، وفيه ردّ لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء.

.تفسير الآيات (92- 93):

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)}
{وَأَنتُمْ ظالمون} يجوز أن يكون حالاً، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، وأن يكون اعتراضاً بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم. وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد {واسمعوا} ما أمرتم به في التوراة {قَالُواْ سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك.
فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت: طابقه من حيث إنه قال لهم: {اسمعوا} وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا: {سَمِعْنَا} ولكن لا سماع طاعة {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل} أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبيغ. وقوله: {فِى قُلُوبِهِمْ} بيان لمكان الإشراب كقوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10]. {بِكُفْرِهِمْ} بسبب كفرهم {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم} بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب {أصلاتكَ تَأْمُرُكَ} [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له.

.تفسير الآيات (94- 96):

{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)}
{خَالِصَةً} نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة، أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق. يعني إن صحّ قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. و{الناس} للجنس وقيل: للعهد وهم المسلمون {فَتَمَنَّوُاْ الموت} لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى. كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين. فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت.
وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي» {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد وبما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان. وقوله: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ} فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك.
فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت: أنهم لم يتمنوا؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون.
قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذباً لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه {والله عَلِيمٌ بالظالمين} تهديد لهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه (هم أحرص).
فإن قلت: لم قال: {على حياة} بالتنكير؟ قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ {على الحياة} {وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ} محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس.
فإن قلت: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه. وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ.
فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا لعلمهم بحالهم أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو قول الأعاجم: زي هزار سال. وقيل: {ومن الذين أشركوا} كلام مبتدأ، أي ومنهم ناس {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} على حذف الموصوف كقوله: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] والذين أشركوا على هذا مشارٌ به إلى اليهود، لأنهم قالوا: عزير ابن الله. والضمير في {وَمَا هُوَ} لأحدهم و{أَن يُعَمَّرَ} فاعل (بمزحزحه)، أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. وقيل: الضمير لما دلّ عليه (يعمر) من مصدره، وأن (يعمر) بدل منه. ويجوز أن يكون (هو) مبهماً، وأن {يعمر} موضحه. والزحزحة: التبعيد والإنحاء فإن قلت: يودّ أجدهم ما موقعه؟ قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف.
فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟ قلت: هو حكاية لودادتهم. و (لو) في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} كقولك: حلف بالله ليفعلنّ.

.تفسير الآيات (97- 98):

{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)}
روي: أن عبد الله بن صوريا من أحبار (فدك) حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل، فقال: ذاك عدوّنا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، وأشدّها أنه أنزل على نبينا أنّ بيت المقدس سيخربه بختنصّر، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكيناً، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه. وقيل: أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.
وروي: أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم: وما منزلتهما من الله تعالى قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. وميكائيل عدوّ لجبريل. فقال عمر: لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدّواً لله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر. فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وقرئ: {جبرئيل}، بوزن قفشليل و {جبرئل} بحذف الياء، و {جبريل} بحذف الهمزة، و {جبريل} بوزن قنديل، و {جبرالّ} بلام شديدة. و {جبرائيل} بوزن جبراعيل. و {جبرائل} بوزن جبراعل. ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة.
وقيل معناه: عبد الله. الضمير في {نَزَّلَهُ} للقرآن. ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته {على قَلْبِكَ} أي حفظه إياك وفهمكه {بإذنالله} بتيسيره وتسهيله.
فإن قلت: كان حق الكلام أن يقال: على قلبي.
قلت: جاءت على حكاية كلام الله تعالى كما تكلم به، كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي: من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
فإن قلت: كيف استقام قوله: {فإنه نزله} جزاء للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدّقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.
والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدّقاً لكتابهم وموافقاً له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، أُفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أنّ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. وقرئ: {ميكال}، بوزن قنطار. و {ميكائيل} كميكاعيل. و {ميكائل} كميكاعل. و {ميكئل} كميكعل. و {ميكئيل} كميكعيل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. {عَدُوٌّ للكافرين} أراد عدوّ لهم فجاء بالظاهر، ليدل على أنّ الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدّ العقاب.

.تفسير الآيات (99- 101):

{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}
{إِلاَّ الفاسقون} إلا المتمرّدون من الكفرة.
وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت. واللام في {الفاسقون} للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب {أوَ كُلَّمَا} الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا.
وقرأ أبو السَّمَّال بسكون الواو على أنّ الفاسقون بمعنى الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة. وقرئ {عوهدوا وعهدوا} واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا. وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا {الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56]. والنبذ الرمي بالذمام ورفضه.
وقرأ عبد الله {نقضه} {فَرِيقٌ مّنْهُمُ} وقال فريق منهم، لأنّ منهم من لم ينقض {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدّون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به. {كتاب الله} يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها. وقيل: كتاب الله: القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك. يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم، مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه.
وعن الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤنه، ولكنهم نبذوا العمل به.
وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.